مقتطفات من كلمة الرئيس أوباما – أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة

بعد مرور سبعين عاما على تأسيس الأمم المتحدة، جدير بنا أن نتأمل فيما ساعد أعضاء هذه المنظمة على تحقيقه سوياً.

فمن رماد الحرب العالمية الثانية وبعد أن شهدت القدرة التدميرية للعصر الذري، عملت الولايات المتحدة مع العديد من الدول في هذه الجمعية للحيلولة دون وقوع حرب عالمية ثالثة — من خلال إقامة التحالفات مع الخصوم السابقين ودعم الصعود المطرد للديمقراطيات القوية المسؤولة أمام شعوبها بدلا من أن ترتهن لأي قوة أجنبية وعبر بناء نظام دولي يفرض ثمنا على أولئك الذين يفضلون المجابهة بدلا من التعاون، نظام يعترف بكرامة الأنسان ومساواة الجميع.

هذا هو ما أنجز عبر العقود السبعة المنصرمة. وهذه هي القيمة العليا التي سعت هذه المنظمة لتحقيقها. بالطبع، لم نرتقي سويا إلى مستوى هذه المثل العليا في الكثير من المناسبات. وعلى مدى سبعة عقود حصدت الصراعات المرعية اعداد من الناس لا تعد وتحصى. لكننا واصلنا المسير إلى الأمام بتأني وثبات لبناء نظام دولي من القواعد والأعراف افضل وأصلب وأكثر تماسكا مما مضى.

[…]

لكننا اليوم نجتمع معا مدركين أن مسيرة التقدم البشري لا تسير دوما في خط مستقيم، وأن عملنا لم يكتمل بعد، فهناك تيارات خطرة تحاول أن تسحبنا إلى عالم أكثر قتامة واضطراباً.

اليوم نرى انهيار رجالا أقوياء، ودولا هشة تولد الصراعات وتدفع الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال إلى عبور الحدود باعداد مهولة، وشبكات إرهابية وحشية تملئ الفراغ. وتُستغل التقنيات التي تُمكن الأفراد لنشر المعلومات المضللة أو قمع المعارضة أو دفع الشباب نحو التطرف. وبينما ساعدت تدفقات رؤوس الاموال العالمية في النمو والاستثمار، إلا أنها أيضا فاقمت من خطورة عدوى الانهيارات المالية وأضعفت القدرة التفاوضية للعمال وزادت من وتيرة اللامساواة.

[…]

بصفتي رئيساً للولايات المتحدة فإنني أعي الأخطار التي تواجهنا، فهي تمر على مكتبي كل صباح. وأنا أقود أقوى جيش عرفه العالم على الأطلاق، ولن أتردد في أي وقت من الدفاع عن بلدي أو عن حلفائنا، بصفة أحادية وبالقوة إذا لزم الأمر.

ولكني أقف أمامكم اليوم معتقداً في قرارة نفسي أنه لا يمكننا نحن شعوب العالم من العودة إلى أساليب الصراع والإكراه القديمة. لا يمكننا أن ننظر إلى الوراء. فنحن نعيش في عالم مترابط من مصلحتنا فيه أن نرى نجاح الجميع. ولا يمكننا أن نعد بعقارب هذه الترابط إلى الوراء. ما من دولة في هذه المنظمة يمكنها أن تعزل نفسهاعن خطر الإرهاب أو خطر الانهيار المالي أو مشكلة تدفق المهاجرين أو خطر ارتفاع درجة حرارة الأرض. إن الفوضى التي نراها ليست ناجمة فقط عن التنافس بين الدول أو عن أي أيديولوجية معينة. فإذا لم نتمكن من العمل معا على نحو أكثر فعالية فإننا سنعاني جميعا من العواقب.

[…]

بعد أن توليت الرئاسة، أوضحت أن أحد أهم إنجازات هذه المنظمة — وهو نظام الحد من أنتشار الأسلحة النووية – كان معرض للخطر نتيجة انتهاك إيران لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. وعلى هذا الأساس، شدد مجلس الأمن من العقوبات المفروضة على الحكومة الإيرانية، وانضمت إلينا العديد من الدول لإنفاذ هذه العقوبات. معاً، أظهرنا أن القوانين والاتفاقات تعني شيئا.

ولكننا كنا ندرك أيضا أن الهدف من العقوبات هو ليس مجرد معاقبة إيران. فقد كان هدفنا هو اختبار ما إذا كان بإمكان إيران أن تغير من نهجها وأن تقبل القيود وأن تسمح للعالم بالتحقق من أن برنامجها النووي مكرس للأغراض السلمية. ولمدة عامين، دخلت الولايات المتحدة وشركائها — بما في ذلك روسيا والصين — معاً في مفاوضات معقدة. وكانت النتيجة هي اتفاقاً شاملا وطويل المدى يمنع إيران من الحصول على سلاح نووي، مع السماح لها بالوصول إلى الطاقة السلمية. وإذا تم تنفيذ هذاالاتفاق بالكامل وتم تعزيز حظر انتشار الأسلحة النووية وتم تجنب حرب محتملة فإن عالمنا سيصبح أكثر أمنا. وهذه هي قوة النظام الدولي عندما يعمل بالطريقة التي ينبغي له أن يعمل بها.

هذا الإخلاص للنظام الدولي يرشد استجاباتنا للتحديات الأخرى في جميع أنحاء العالم. لننظر في ضم روسيا لشبه جزيرة القرم وعدوانها في شرق أوكرانيا. أمريكا لديها مصالح اقتصادية محدودة في أوكرانيا، ونحن نعترف بالتاريخ العميق والمعقد بين روسيا وأوكرانيا. لكننا لا نستطيع الوقوف مكتوفي الأيدي عندما تنتهك سيادة ووحدة أراضي دولة بشكل صارخ. إذا حدث ذلك دون تبعات في أوكرانيا، فإنه يمكن أن يحدث لأية أمة من الامم المجتمعة هنا. هذا هو سبب العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة وشركائها على روسيا، وهي ليست رغبة في العودة إلى الحرب الباردة.

الآن، في روسيا، قد تصف وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة هذه الأحداث على أنها تمثل نهوض جديد لروسيا – وهي وجهة نظر يشترك بها عدد من السياسيين والمعلقين الأمريكيين المشككين دوما بنوايا روسيا ويعتقدون بالفعل أننا على أعتاب حرب باردة جديدة. لكن لنرى ما هي النتائج: لقد بات الشعب الأوكراني أكثر اهتماما من أي وقت مضى في الاصطفاف مع أوروبا عوضاًعن روسيا. أدت العقوبات إلى هروب رؤوس الأموال وأنكماش الاقتصاد وتهاوي الروبل وهجرة المزيد من العقول الروسية.

تصوروا لو أن روسيا بدلا من ذلك انخرطت بدبلوماسية حقيقية وعملت مع أوكرانيا والمجتمع الدولي لضمان مصالحها. كان هذا سيكون أفضل لأوكرانيا وكذلك لروسيا والعالم أجمع – وهذا هو سبب استمرارنا في الضغط من أجل حل هذه الأزمة بطريقة تسمح لأوكرانيا الدولة الديمقراطية ذات السيادة بتحديد مستقبلها وسيادتها على أراضيها. ليس لأننا نريد أن نعزل روسيا — نحن لا نريد ذلك – ولكن لأننا نريد روسيا قوية منخرطة بالعمل معنا لتعزيز النظام الدولي ككل.

[…]

وأعتقد أيضا أننا من أجل أن نمضي قدما في هذا العهد الجديد، فأن علينا أن نكون أقوياء بما يكفي للاعتراف بأن ما نفعله ليس له فعالية. فلمدة 50 عاما اتبعت الولايات المتحدة سياسة تجاه كوبا فشلت في تحسين وضع الشعب الكوبي. لقد غيرنا المسار. لا تزال لدينا خلافات مع الحكومة الكوبية وسنواصل الدفاع عن حقوق الإنسان. لكننا سنتعامل مع هذه القضايا من خلال العلاقات الدبلوماسية وزيادة التجارة والروابط الشعبية بين البلدين. ومع احراز التقدم في هذه الاتصالات فأنني واثق من أن الكونغرس سيرفع حتما الحظر الذي لا ينبغي أن يظل معمولاً به. (تصفيق). التغيير لن يأتي بين عشية وضحاها إلى كوبا ولكن أنا على ثقة من أن الانفتاح وليس الإكراه سيدعم الإصلاحات ويمنح الحياة التي يستحقها الشعب الكوبي. كما أعتقد تماما أن كوبا ستحقق النجاج إن أنتهجت سياسة التعاون مع الدول الأخرى.

[…]

بطبيعة الحال سوف نستمر في رؤية الدول التي ترفض دروس التاريخ في أنحاء مختلفة من العالم، وهي بلدان تعاني من حروب أهلية ونزاعات حدودية ونزعات طائفية وجيوب إرهابية وكوارث إنسانية. ويتحتم علينا العمل حين ينهار النظام تماما، لكننا سنكون أقوى بالعمل سويا.

في مثل هذه الجهود، ستقوم الولايات المتحدة دائما بدورها. سنفعل ذلك مدركين دروس الماضي — ليس فقط دروس العراق، بل أيضا دروس ليبيا عندما انضممنا إلى تحالف دولي بتفويض من الأمم المتحدة لمنع وقوع مذبحة. وحتى عندما ساعدنا الشعب الليبي على إنهاء حكم طاغية، فأنه كان حري بنا أن نملئ الفراغ الناتج. نحن ممتنون للأمم المتحدة لجهودها فيما يتعلق بتشكيل حكومة وحدة وطنية. وسوف نساعد أي حكومة ليبية مشروعة في عملها لتوحيد البلاد. ولكن علينا أيضا أن ندرك أنه يجب أن نعمل بشكل أكثر فعالية في المستقبل، كمجتمع دولي، لبناء القدرات للدول التي تواجه المحن قبل الأنهيار.

[…]

لا يوجد مكان يتم فيه اختبار التزامنا بالنظام الدولي أكثر من سوريا. عندما يذبح ديكتاتور عشرات الآلاف من شعبه، هذا لا يمكن أعتباره مجرد مسألة داخلية– أنه شأن ينتج عن معاناة إنسانية بالغة تؤثر فينا جميعا. وعندما تقوم مجموعة إرهابية بقطع رؤوس الأسرى وذبح الأبرياء واستعباد النساء، فهذه ليست مشكلة أمن وطني لبلد ما – وإنما اعتداء على البشرية جمعاء.

سبقت أن قلت وأكرر: لا مجال للقبول بجماعة نبؤية مثل داعش، ولن نتردد في استخدام قوتنا العسكرية كجزء من تحالف واسع لملاحقتهم. نحن نفعل ذلك بتصميم لضمان استحالة بقاء ملاذ آمن للإرهابيين الذين ينفذون هذه الجرائم. ولقد أثبتنا على مدى أكثر من عشر سنوات من عزمنا الصلب في ملاحقة تنظيم القاعدة بأننا لن نتساهل في مطاردة المتطرفين.

لكن في حين أن القوة العسكرية ضرورية إلا أنها ليست كافية لتسوية الصراع في سوريا. الاستقرار الدائم لا يمكن أن يستتب إلا عندما يتوصل الشعب السوري إلى اتفاق للعيش بسلام. الولايات المتحدة مستعدة للعمل مع أية دولة، بما في ذلك روسيا وإيران، لحل النزاع. ولكن لا بد من الاقرار أنه لا يمكن بعد كل هذا الكم الهائل من الدماء والمجازر أن يعود الوضع إلى ما كان سائدا قبل الحرب.

دعونا نتذكر كيف بدأ هذا. رد الأسد على الاحتجاجات السلمية بتصعيد القمع والقتل الذي بدوره خلق بيئة أفضت إلى الصراع الحالي. وهكذا لا يمكن للأسد وحلفاءه ببساطة تحقيق السلام للغالبية العظمى من السكان الذين تم التعامل معهم بوحشية بالأسلحة الكيميائية والقصف العشوائي. نعم، تملي الواقعية بأنه سيكون هناك حاجة لتسوية لإنهاء القتال، وفي نهاية المطاف القضاء على داعش. ولكن الواقعية تتطلب أيضا عملية انتقالية بعيدا عن الأسد وتحت زعيم جديد لتشكيل حكومة شاملة تعترف بأنه يجب أن يكون هناك حد لهذه الفوضى حتى يتسنى للشعب السوري البدء في إعادة البناء.

نحن نعلم أن داعش –التي نشأت من رحم الفوضى في العراق وسوريا — تعتمد على الحرب الدائمة من أجل البقاء. ولكننا نعرف أيضا أنهم يكسبون الأتباع بسبب أيديولوجية سامة. لذلك فإن جزء من عملنا معا هو العمل على رفض مثل هذا التطرف الذي يصيب الكثير من شبابنا. ويجب أن يكون رفض المسلمين المستمر لأولئك الذين يشوهون الإسلام بالدعوة إلى التعصب والترويج للعنف جزءا من هذا الجهد، كما يجب أيضا أن يكون هناك رفض من قبل غير المسلمين للجهل الذي يساوي بين الإسلام والإرهاب.

[…]

لا توجد إجابات بسيطة بشأن التغيرات التي تحدث في كثير من مناطق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ولكن الكثير من العائلات تحتاج إلى المساعدة الأن. ليس بوسعهم الانتظار. وهذا هو سبب قيام الولايات المتحدة بزيادة عدد اللاجئين الذين نرحب بهم داخل بلدنا. هذا هو السبب في أننا ستظل أكبر مانح للمساعدات لدعم هؤلاء اللاجئين. واليوم نحن بصدد إطلاق جهود جديدة لضمان أن يتمكن شعبنا وشركاتناوجامعاتنا والمنظمات غير الحكومية لدينا من المساعدة أيضا – لأننا أزاء معاناة هذه العوائل نرى أننا أمة مكونة من المهاجرين انفسهم.

وبطبيعة الحال، بحسب طرق التفكير القديمة، فإن محنة الضعفاء ومحنة اللاجئين ومحنة المهمشين هي أمور ليست ذات أهمية، حيث كان هؤلاء على هامش اهتمامات العالم. أما اليوم فإن قلقنا فيما يتصل بهم ليس مدفوعاً فقط بوازع الضمير، ولكن ينبغي أيضا أن يكون مدفوعاً بكونه يمثل مصلحة ذاتية.إن مساعدة الناس الذين دُفع بهم على هوامش عالمنا ليس مجرد عمل خيري، بل هو مسألة تتصل بالأمن الجماعي. والغرض من هذه الهيئة هو ليس مجرد تجنب الصراع بل تحفيز العمل الجماعي الذي يجعل الحياةأفضل على هذا الكوكب.

[…]